recent
أخبار ساخنة

"يوميات مخرج": رحلة سوكوروف الملحمية بين سحر البندقية وانهيار السوفييت (1957-1991)

الصفحة الرئيسية

 

"يوميات مخرج": رحلة سوكوروف الملحمية بين سحر البندقية وانهيار السوفييت (1957-1991)

 

يعود المخرج الروسي الكبير ألكسندر سوكوروف إلى المشهد السينمائي بعد عقد من الصمت، ليضرب بقوة في مهرجان البندقية السينمائي بفيلمه الجديد "يوميات مخرج". هذا العمل الفني المُتقن، الذي عُرض في الفترة من 27 أغسطس إلى 6 سبتمبر، يعيد سوكوروف إلى المهرجان الذي احتضن فيلمه "فرنكوفونيا" قبل عشر سنوات، ليؤكد مكانته كواحد من أهم الأصوات السينمائية المعاصرة.

يعود المخرج الروسي الكبير ألكسندر سوكوروف إلى المشهد السينمائي بعد عقد من الصمت، ليضرب بقوة في مهرجان البندقية السينمائي بفيلمه الجديد "يوميات مخرج". هذا العمل الفني المُتقن، الذي عُرض في الفترة من 27 أغسطس إلى 6 سبتمبر، يعيد سوكوروف إلى المهرجان الذي احتضن فيلمه "فرنكوفونيا" قبل عشر سنوات، ليؤكد مكانته كواحد من أهم الأصوات السينمائية المعاصرة.
"يوميات مخرج": رحلة سوكوروف الملحمية بين سحر البندقية وانهيار السوفييت (1957-1991)


"يوميات مخرج": رحلة سوكوروف الملحمية بين سحر البندقية وانهيار السوفييت (1957-1991)


.

 

ملحمة زمنية خمس ساعات وخمس دقائق في تاريخ روسيا

يُعد "يوميات مخرج" أطول فيلم يُعرض في الدورة الحالية للمهرجان، بمدة عرض تصل إلى خمس ساعات وخمس دقائق، تخللتها استراحة قصيرة مدتها 15 دقيقة ظهر عدّها التنازلي على الشاشة. على الرغم من طوله، ينساب الفيلم بسلاسة آسرة، مقدماً تجربة مشاهدة مكثفة تجعل الزمن يتلاشى، وكأن المشاهد يستغرق ساعتين فقط. يأخذنا سوكوروف في رحلة عميقة داخل عالمه منذ اللحظات الأولى، ليغمرنا في نسيجه السردي دون أن يترك لنا مجالاً للمقاومة أو الانفصال.

 

تجربة عرض فريدة المطر خلفية صوتية

شهد العرض العالمي الأول للفيلم حضوراً لافتاً ضم المخرج نفسه وعدداً من أعضاء فريقه، من بينهم المنتج والمدير السابق للـ"موسترا" ماركو مولر، أحد المقربين من سوكوروف. وقد أقيم العرض في صالة غير تقليدية أشبه بـ"هنغار"، حيث تساقط المطر على سقفه ليخلق خلفية صوتية طبيعية، أضفت بُعداً حسياً وعمقاً مدهشاً على التجربة البصرية للفيلم، مما عزز من انغماس الجمهور في أجواء العمل.

 

كسر العزلة سوكوروف استثناءً للقاعدة

لا تكمن أهمية هذا الفيلم في عودة سوكوروف فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى كسر حاجز العزلة المفروضة على السينما الروسية في المهرجانات الأوروبية منذ اندلاع الحرب على أوكرانيا قبل أكثر من ثلاث سنوات.

  •  ففي ظل استبعاد شبه تام لصناع السينما الروس من التظاهرات الفنية الدولية – باستثناء من أعلنوا
  •  معارضتهم الصريحة للنظام ويعيش معظمهم خارج روسيا – يبرز حضور سوكوروف، الذي لا يزال
  •  محسوباً على الداخل الروسي، كاستثناء لافت يعكس قوة الفن وقدرته على تجاوز الحواجز السياسية.

 

نظرة شخصية على حقبة سوفيتية مضطربة

يتناول الفيلم حقبة الاتحاد السوفيتي الممتدة من عام 1957 حتى انهياره في عام 1991، كما عاشها سوكوروف نفسه. يقدم العمل قراءة شخصية وعامة في آن واحد، ترصد تقلبات نصف قرن من التاريخ السوفيتي، بكل لحظاته الطوباوية المضيئة وتناقضاته وصراعاته الكبرى، وصولاً إلى انهياره الحتمي بعد أن حكم الملايين وغيّر ملامح العالم.

  1.  إنه فيلم عن الأفكار حين تتحول إلى أنظمة، وعن الأيديولوجيات حين تشكل حياة البشر وتعيد صوغ
  2.  المصائر. لا يكتفي سوكوروف بسرد التاريخ، وإنما يعيد تأمله من الداخل، وكأنما يحاكم زمناً
  3.  نحن
  4.  أبناء تداعياته المباشرة.

 

الفن فوق التصنيف قوة الصور التعبيرية

يصنع سوكوروف كل هذا معتمداً على قوة الصور التعبيرية، دون أن ينطق بكلمة واحدة. يُدرج مهرجان البندقية فيلم "يوميات مخرج" خارج المسابقة الرسمية، مؤكداً بذلك خروجه عن التصنيفات التقليدية. إنه عمل فني عميق يتجاوز حدود الوثائقية البسيطة، ليغوص في التأمل الفلسفي لتاريخ مضى.

 

سوكوروف والفن التنويري "أمنح المشاهد حرية التتبع والتحليل"

يرى سوكوروف فيلمه مساحة مفتوحة للتأمل الحر، قائلاً: "أمنح المشاهد حرية التتبع والتحليل، وبناء روابطه الداخلية الخاصة، واستنباط الإشارات إلى أحداث القرن العشرين. في هذا العمل، ينصهر الأدب والسينما في تيار إبداعي واحد يتجاوز القوالب الوثائقية التقليدية، ليخلق تجربة فنية فريدة تتخطى حدود النوع والأسلوب". هذا التصريح يكشف عن فلسفة سوكوروف الفنية، التي تقوم على إشراك المشاهد في عملية التأويل، وتقديم عمل مفتوح على قراءات متعددة.

 

المونتاج كفلسفة بصرية إرث أيزنشتاين

يُعرف الروس ببراعتهم في لعبة التقطيع، وهم أساتذة المونتاج منذ أن وضع سيرغي أيزنشتاين قواعده الذهبية التي لا تزال حية ومؤثرة حتى اليوم. وإذا كان سوكوروف قد سطع سابقاً في مجال اللقطة الواحدة – كما في فيلمه الشهير "الفلق الروسي" – فإنه يخوض في "يوميات مخرج" مغامرة معاكسة تماماً، تقوم على المونتاج كتيمة سردية مركزية

 بل كفلسفة بصرية. فالفيلم مؤلف من آلاف اللحظات المقطعة والموصولة، لقطات خاطفة لا تدوم

 الواحدة منها أكثر من ثوان معدودة، تحدث إيقاعاً لاهثاً، مستلهماً من تقنيات الدعاية السياسية

 الكلاسيكية. هذه التقنية تمنح الفيلم حيوية وديناميكية استثنائية، وتحول كل لقطة إلى ومضة من الذاكرة الجماعية.

 

الأرشيف المتكلم رد صامت على العداء الثقافي

كل ما نراه في الفيلم، باستثناء لقطات قليلة يظهر فيها سوكوروف وهو يدون تواريخ في دفتره، هو مواد أرشيفية، "نيوز ريل" (أخبار سينمائية). سوكوروف لم يصور منها شيئاً بنفسه. هذا الاستخدام الذكي والمكثف للأرشيف لا يخدم فقط البناء الفني

  •  بل يحمل موقفاً واضحاً؛ وكأن الفيلم بأسره هو رد صامت على موجة العداء الثقافي لروسيا التي
  •  تفجرت بعد غزو أوكرانيا، وعبّرت عن نفسها من خلال الإقصاء التام للفن الروسي من المشهد
  •  الأوروبي. يثبت سوكوروف أن الفن قادر على الكلام بصوت أعلى من أي دعاية سياسية، وأن
  •  الإبداع الروسي يستحق مكانته بغض النظر عن السياقات السياسية.

 

سوكوروف وطني النزعة، لا يساوم على فنيته

قد لا يكون سوكوروف من أنصار فلاديمير بوتين، لكنه أيضاً ليس من أولئك الذين خضعوا بالكامل لمقاييس الغرب في التصنيف والتجريم. هو لا يخلط، كما تفعل أوروبا الرسمية، بين روسيا الفن والفكر والثقافة، وروسيا السياسة والنظام.

  1.  في نهاية المطاف، نحن أمام مخرج يبلغ منتصف السبعينيات، يتنقل بعصا، ويملك ما يكفي من
  2.  الاطلاع والرؤية لكي يميز بين ما ينبغي الدفاع عنه وما يجب تجاوزه. هو رجل محافظ لا شك
  3.  وطني النزعة، لا يدعي الحياد، لكنه لا يساوم على جوهر فنيته. هذا الموقف يعكس استقلالية الفنان
  4.  ورؤيته المتعمقة للواقع.

 

نبش الدفاتر القديمة إعادة تركيب الزمن

ينبش المعلم دفاتره القديمة ليخرج منها جديداً يعيد تركيب الزمن بمعناه الوجودي والسياسي. كل شيء حاضر في هذا الفيلم، كافة التواريخ التي صنعت النصف الثاني من القرن العشرين: من الصراعات الكبرى إلى النكبات التي شكلت وجدان عدة أجيال. إنه سجل بصري للتحولات الهائلة التي شهدها العالم، وكيف أثرت هذه التحولات على الوعي الجمعي والفردي.

 

عوالم متعددة من السياسة إلى الفن

تتوالى على الشاشة أسماء كثيرة، من عوالم السياسة والفكر والفن والعلوم. نسمع عن أوسكار نيماير، وليم فولكنر، فلاديمير نابوكوف، ويتني هيوستن، إديث بياف، ألبير كامو، مارتن لوثر كينغ، بوريس باسترناك، جمال عبد الناصر، غولدا مائير... وصولاً إلى إيلون ماسك وليونيل ميسي. وغيرها من الأسماء التي شكلت مشهداً كونياً متداخلاً. هذا التنوع في الشخصيات والأحداث يبرز مدى تشابك الثقافات والتاريخ البشري.

 

احتفاء بالحياة ورثاء للموتى زمن التحولات الكبرى

يحتفي سوكوروف بالحياة مثلما يرثي الموتى – أولئك "الأحبة الافتراضيين" الذين لم يعرفهم شخصياً، لكنه ارتبط بهم وجدانياً وثقافياً. يقوم بمسح بصري وتأملي لتواريخ صنعت زمنه الشخصي، وزمن الحرب الباردة: سباق محموم نحو غزو الفضاء، وسباق آخر أشد فتكاً نحو امتلاك السلاح النووي، واختراعات قلبت حياتنا رأساً على عقب، من بينها الإنترنت.

  •  من دون أن ينسى دائماً الإشارة إلى قمع السلطات السوفيتية باسم المصلحة العامة الذي ترجم
  •  بالاعتقالات ومناهضة الرأي الحر، وأسهم في إبعاد المثقفين عن بلدهم. لا نحتاج إلى الساعات الخمس
  •  التي يستغرقها الفيلم لندرك أن تلك الخمسين سنة التي يتناولها ربما كانت الأغنى في تاريخ البشرية
  •  من حيث التحول والتعقيد.

 

حب السينما الحقيقي من برغمان إلى سبيلبرغ

كل هذا يبقى في كفة، وحين تظهر على الشاشة أسماء الأفلام والمخرجين، ننتقل إلى كفة أخرى بالكامل. هنا يتجلى حب سوكوروف الحقيقي، عشقه الخالص للسينما والفن والثقافة. نلمس مدى عنايته واحتفائه بمخرجين مثل إنغمار برغمان وستيفن سبيلبرغ بنفس القدر من الاهتمام

  1.  من دون أن يضع حواجز بين السينما النخبوية والجماهيرية. في خضم صخب الأحداث التي تغمر
  2.  العالم، لا ينسى أن يذكرنا بالجمال، بصانع الجمال: الفن السابع. يضع إصبعه بدقة على الفرق بين ما
  3.  يفرض عليه كفنان من أوضاع، وما يسعى هو إليه.

 

سحر الصور وتطويع الأرشيف

هناك سحر غريب، طاغٍ، في تدفق الصور التي ينسج منها سوكوروف رائعته هذه، على الرغم من أنه لم يصور منها شيئاً بيده. ومع ذلك، تنصهر هذه اللقطات الأرشيفية في وحدة سردية متماسكة، كما لو أن المخرج كتب لها سيناريو مفصلاً ثم انطلق لتصويره بنفسه.

  •  هنا يتجلى الفارق بين مخرج يملك حساً سينمائياً وآخر لا. الصور غير متساوية في طبيعتها أو
  •  طاقتها، لكن يد الفنان قادرة على تطويعها وتوجيهها، كما لو أنه خلقها من العدم. ومع ذلك، لا أدعي
  •  أنني أعرف من أين يأتي سوكوروف بهذا الفن. هو وحده، على الأرجح، من يملك سره.

 

ما بعد الأيديولوجيات فراغ وإفلاس؟

هل أراد سوكوروف أن يصنع فيلماً عن انطفاء الأيديولوجيات في العالم تاركة الرأسمالية تسرح وتمرح، أو عن انهيار الأمل في المجتمع؟ في رؤيته للقرن العشرين، تلوح أيضاً إشارات خفية وصامتة إلى ما لا يقال كثيراً عن زمننا الحاضر: فراغ وإفلاس. كأننا نعيش في ظل العالم الذي كان، ولا نملك مشروعاً للعالم القادم. هذا التساؤل الفلسفي العميق يجعل الفيلم مرآة لحاضرنا ومستقبلنا المحتمل.

 فى الختام

ومع هذا، فإن في فيلمه شيئاً يخترق القلب تدريجياً. سوكوروف، في "يوميات مخرج"، يطرح نفسه كمعلم تنويري، ضمير من ضمائر القرن العشرين، شاهداً ومفسراً، ومعاتباً أحياناً. ومن خلاله، تتجلى مرارة وحكمة تلك الجملة التي يقولها في أحد تعليقاته: "العالم القديم لا يتغير". 

هذه الجملة تختصر جوهر رسالته، التي تدعو إلى التأمل في التاريخ ودروسه، وعدم الاكتفاء بالنظر إلى الأمام دون استيعاب الماضي.

"يوميات مخرج": رحلة سوكوروف الملحمية بين سحر البندقية وانهيار السوفييت (1957-1991)



author-img
Tamer Nabil Moussa

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent